القرطبي

58

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قوله تعالى : ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فإلهكم إليه وحد فله أسلموا وبشر المخبتين ( 34 ) قوله تعالى : ( ولكل أمة جعلنا منسكا ) لما ذكر تعالى الذبائح بين أنه لم يخل منها أمة ، والأمة القوم المجتمعون على مذهب واحد ، أي ولكل جماعة مؤمنة جعلنا منسكا . والمنسك الذبح وإراقة الدم ، قاله مجاهد . يقال : نسك إذا ذبح ينسك نسكا . والذبيحة نسيكة ، وجمعها نسك ، ومنه قوله تعالى : " أو صدقة أو نسك " ( 1 ) [ البقرة : 196 ] . والنسك أيضا الطاعة . وقال الأزهري في قوله تعالى : " ولكل أمة جعلنا منسكا " : إنه يدل على موضع النحر في هذا الموضع ، أراد مكان نسك . ويقال : منسك ومنسك ، لغتان ، وقرئ بهما . قرأ الكوفيون إلا عاصما بكسر السين ، الباقون بفتحها . وقال الفراء : المنسك في كلام العرب الموضع المعتاد في خير أو شر . وقيل مناسك الحج لترداد الناس إليها من الوقوف بعرفة ورمى الجمار والسعي . وقال ابن عرفة في قوله : " ولكل أمة جعلنا منسكا " : أي مذهبا من طاعة الله تعالى ، يقال : نسك نسك ( 2 ) قومه إذا سلك مذهبهم . وقيل : منسكا عيدا ، قاله الفراء . وقيل : حجا ، قاله قتادة . والقول الأول أظهر ، لقوله تعالى : ( ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام ) أي على ذبح ما رزقهم . فأمر تعالى عند الذبح بذكره وأن يكون الذبح له ، لأنه رازق ذلك . ثم رجع اللفظ من الخبر عن الأمم إلى إخبار الحاضرين بما معناه فالإله واحد لجميعكم ، فكذلك الامر في الذبيحة إنما ينبغي أن تخلص له . فوله تعالى : ( فله أسلموا ) معناه لحقه ولوجهه وإنعامه آمنوا وأسلموا . ويحتمل أن يريد الاستسلام ، أي له أطيعوا وانقادوا . قوله تعالى : ( وبشر المخبتين ) المخبت : المتواضع الخاشع من المؤمنين . والخبت ما انخفض من الأرض ، أي بشرهم بالثواب الجزيل . قال عمرو بن أوس : المخبتون الذين لا يظلمون ، وإذا ظلموا لم ينتصروا ( 3 ) . وقال مجاهد فيما روى عنه سفيان عن ابن أبي نجيح : المخبتون المطمئنون بأمر الله عز وجل .

--> ( 1 ) راجع ج 2 ص 365 فما بعد . ( 2 ) مثلثة النون ، وبضمتين . ( 3 ) الانتصار : الانتقام .